الشيخ محمد مهدي الآصفي
121
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
أسرار الموقف : إنّ هذا المشهد العجيب استنزل يومذاك رحمة الله تعالى ، ففجر الله لهما زمزم في واد غير ذي زرع ، وجعلها مصدراً ومبدءاً لكثير من البركات على هذه الأرض المباركة ، وجعل هذا المشهد جزءاً من أعمال الحجّ ، وثبّته الله تعالى في واحد من أشرف فرائضه ، فما هو السرّ الكامن في هذا المشهد ؟ ولماذا هذا الاهتمام به في أصل الدين ، وتثبيته في الحج ؟ وما هو السبب المؤثر والقوي الذي استنزل رحمة الله تعالى بقوة في هذا المشهد ، وجعلها مبدءاً لبركات كثيرة في حياة الأجيال المتعاقبة من الموحّدين ؟ فلابد من أن يكون هذا المشهد ينطوي على سرّ خاص استدعى نزول رحمته تعالى في ذاك الوادي القفر ، واستدعى دوام هذه الرحمة وثباتها ، وجعل منها مصدراً ومبدءاً لكثير من البركات ، واستدعى أن يُثَبِّتَهَا الله تعالى في حج أجيال الموحدين عند بيته الحرام . إنني أعتقد ، - والله تعالى أعلم بأسرار هذا المشهد - أنّ هذا المشهد النادر كان يجمع يومئذ بين ثلاثة منازل من منازل رحمة الله تعالى كلّ منها يستنزل رحمته تعالى . وأول هذه المنازل الحاجة ، وهي الظمأ الذي أصاب الطفل وأضرَّ به ، وهذا واحد من منازل رحمة الله تعالى ، ومن أقرب المنازل إلى رحمته . ولذلك نرى أنّ الأطفال الرضّع إذا أضرّ بهم ألم ، أو جوع ، أو ظمأ ، أو برد ، أو حرّ ، كانوا أقرب إلى رحمة الله تعالىمن الكبار الذين يطيقون ذلك ، لأن الألم ، والجوع ، والظمأ يضرّ بهم أكثر من الكبار . وقد ورد في الدعاء : ( أللهمّ أعطني لفقري ) ، والفقر إلى الله لوحده يستنزل رحمته - تعالى - ، وكلما كان الفقر إلى الله أعظم كان أدعى لنزول رحمة الله ،